أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
171
العقد الفريد
أما بعد فإني واللّه ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي ، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة ، ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة ، وأردتها على عمل عمر ، فنفرت من ذلك نفارا شديدا ؛ وأردتها مثل ثنيّات « 1 » عثمان ، فأبت عليّ ؛ فسلكت بها طريق لي ولكم فيه منفعة : مؤاكلة حسنة ، ومشاربة جميلة ؛ فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية ؛ واللّه لا أحمل السيف على من لا سيف له ، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه ، فقد جعلت ذلك له دبر أذني وتحت قدمي ؛ وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه ، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه ، فإن السيل إذا زاد عنّى ، وإذا قلّ أغنى « 2 » ؛ وإياكم والفتنة ، فإنها تفسد المعيشة ، وتكدّر النعمة . ثم نزل . خطبة أيضا لمعاوية حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم صلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، إنا قدمنا عليكم ، وإنما قدمنا على صديق مستبشر ، أو على عدو مستتر ، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ « 3 » ولست واسعا كلّ الناس ؛ فإن كانت محمدة فلا بدّ من مذمة ، فلونا هونا إذا ذكر غفر ؛ وإياكم والتي إن أخفيت أوبقت ، وإن ذكرت أوثقت . ثم نزل . وخطبة أيضا لمعاوية صعد منبر المدينة ، فحمد اللّه وأثنى ، ثم قال : يا أهل المدينة ، إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق ؛ يعيبون الشيء وهم فيه ، كل امرئ منهم شيعة نفسه ، فاقبلونا بما فينا فإن ما وراءنا شرّ لكم ، وإن
--> ( 1 ) الثنيات : جمع ثنية : الطريق العالي في الجبل . ( 2 ) أغنى : كفى . ( 3 ) سورة التوبة الآية 58 .